دور المبتعث قبل و بعد العودة

د. خالد محمد بن سعد الوهيبي

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية اللغة العربية- قسم اللغات والترجمة

كثيرُ من زملائي المبتعثين للولايات المتحدة الأمريكية أو إلى بريطانيا أو غيرها من الدول يظنون أن دور المبتعث يقتصر على حضور المحاضرات واجتياز الامتحانات وكتابة الرسائل والأطروحات ومن ثم منا قشتها والعودة بعد ذلك إلى البلاد.
 

في الحقيقة إن كل المبتعثين يصلون إلى نفس النتيجة، لكن ما هو الفرق بين مبتعث وأخر؟ في نظري أن الفرق يكون في مقدار ما استفاده هذا المبتعث أو ذاك من مدة بقائه في هذه البلاد عن طريق الاستفادة من التقنيات والأساليب التعليمية والتعامل بين الطالب وأستاذه وغيرها من الأمور.  وفي هذه العجالة سوف أتطرق لدور المبتعث قبل و بعد العودة من خلال النقاط التالية:

أولاً: دور الدولة في الإبتعاث

ثانياً: التسلح بالعلم

ثالثا : التسلح بالتكنولوجيا

رابعاً: نقل العلم

خامساَ: نقل أساليب التدريس في جميع التخصصات

سادساً:  النية الصادقة والإخلاص في العمل 

أولاً: الدولة و الابتعاث

 لا يخفى على كل مبتعث أن الدولة تبذل كل وسعها لتسهيل وتيسير ابتعاث الطلاب المتفوقين في أقسامهم في كل التخصصات ومن كل الجامعات والكليات وذلك عن طريق تأمين الميزانية الخاصة بذلك.  ما أقوله هنا لا يخفى على كل مبتعث، لكن ما أود الوصول إليه هو أن كثير منا محسود على هذه النعمة المباركة.  وإذا أردت أن تعرف ماذا أقول فأنظر إلى حال الدارسين من بلاد أخرى غير دول الخليج، بل انظر إلى حال الدارسين على حسابهم الخاص من السعوديين وكم من الجهد والوقت الذي يبذل لتوفير رسوم الدراسة.  إذاً نحن في نعمة يجب علينا شكرها برد الدين عن طريق بذل كل ما في وسعنا لطلب العلم الجاد وعدم التأخر في الدراسة بحجج ليس لها أول ولا أخر سوى الرغبة في البقاء في هذه البلاد.

 وأهمس في أذن كل مبتعث:  أهلك ووطنك في انتظارك.

 ثانيا ً: التسلح بالعلم 

في البداية قد يتساءل أحدهم ويقول "لماذا نحن هنا إذاً؟"  أقول معك حق بسؤالك هذا. لكنني لم أقصد ما ذهب إليه ظنك. ما قصدته هو عدم الاقتصار على ما ندرسه ونقرؤه في محاضراتنا ومقرراتنا الدراسية.  لكن التميز هو يأتي من خلال تنمية المعرفة العلمية بالقراءة الخارجية في نفس الموضوع أو المقرر الذي يدرسه الطالب وذلك لأننا بعد العودة سنكون محل أنظار طلابنا.  فهم ينظرون إلينا على أننا قدوات لهم. بل ينظرون إلينا على أننا مصادر المعرفة.  وما زلت أتذكر أحد أساتذتي في جامعة الإمام في مرحلة البكالوريوس حيث كان لا يقتصر على الكتاب المقرر فقط فكان يمدنا بمراجع إضافية، وهذا لم يكن ليحدث لولا أنه كان كثير الإطلاع[1].

من هنا يجب على كل مبتعث ألا يضع نفسه في موضع محرج من قبل طلابه بسبب الاقتصار على الكتاب المقرر. ومن الأمور المعينة كذلك على التسلح بالعلم هي القراءة القبلية والتحضير للمحاضرات وإعداد وتجهيز الأسئلة لأساتذتنا أثناء الدراسة في هذه البلاد فهذه فرصة قد لا تتكرر وعن طريقها تتوسع المدارك وتتضح كثير من النقاط.   

ثالثا ً: التسلح بالتكنولوجيا

في هذه البلاد لا يخلو درس أو محاضرة عند بعض الأساتذة من استخدام  التقنية لإيصال مادته العلمية لطلابه.  منهم من يستخدم المكبر الرأسي ومنهم من يستخدم حاسبه الآلي والمكبر للتنقل بين نقاط الدرس فهم لا  يقتصرون على الطباشير والسبورة. والمقصود بالتكنولوجيا هنا هو كل ما يعين الأستاذ لإيصال مادته العلمية لطلابه من خلال أسهل الطرق.  ومن هذه الطرق والوسائل استخدام بعض البرامج مثل Power Point, Tool book, Hypertext, Overhead projectors, and or the LCD.  عن طريق استخدام الحاسب الآلي المحمول ففيه توفير للوقت والجهد للأستاذ كما هو الحال مع غيرها من البرامج المعينة على التدريس والشرح .

كما أن من طرق التسلح بالتكنولوجيا استغلال وقت الفراغ في التعرف على البرامج المتوفرة والتقنيات المستخدمة في المدارس الأمريكية وذلك بزيارة بعض من هذه المدارس والإطلاع عن كثب على كيفية استخدامهم لهذه التقنيات.

كذلك من الأمور المعينة على التسلح بالتكنولوجيا حضور بعض المواد والمحاضرات المعروضة في الجامعة والتي تتعلق باستخدام التقنية وخصوصاً استخدام الحاسب في التعليم بغض النظر عن التخصص الذي تدرسه. 

همسة أخرى في أذن المبتعث: إذا لم نستخدم نحن المبتعثون هذه التقنية في فصولنا وقاعات محاضراتنا ونحن الذين قد عرفنا فائدتها فمن ينقلها إذا.

 رابعاً : نقل العلم

نعم نقل العلم وليس غيره. مرة أخرى قد يتساءل أحدهم ويقول ماذا إذاً ننقل؟

أخي الحبيب أوجهك وأنت أبن الإسلام إلى نقطة مهمة جدا وهي أنه ليس كل ما يعلم يقال وليس كل ما يقال صحيح وليس كل صحيح مناسب وملائم لديننا وعاداتنا وتقاليدنا. فلنكن المصفاة التي تخرج الشوائب من الماء وتقدمه نقياً لشاربيه.  أضرب مثالا من واقع تخصصي لتتضح الصورة. حينما كنت في مرحلة البكالوريوس وبالتحديد في مادة المسرحية كان الأستاذ يتحدث عن المسرحية من منظور اجتماعي وعن علاقة البطل بالبطلة وكيفية عناقهما حينما يشربان الخمر مثلا.  وأتساءل هل مثل هذه المسرحية مناسبة لديننا أو عاداتنا بل قل لمجتمعنا. بالطبع لا. إذاً فأحد أدوارنا نحن (متخصصي اللغويات) هو تصفية الأدب الإنجليزي وجعله مؤدبا. كذلك انتقاء كتب القراءة الخالية من المحرمات وما يخالف ديننا وعقيدتنا. كذلك اختيار أشرطة المحادثة الملائمه، وكل ذلك ممكن.  أما أصحاب التخصصات العلمية فدورهم لا يقل أبداً عن دور النظريين أمثالنا في تنقية الكتب العلمية مما يشوبها من أخطاء في العقيدة.  فالغربيون كثيراً ما ينسبون الظواهر العلمية التي تحدث في هذا الكون إلى الطبيعة وهذا ليس بصحيح.  هذا هو العلم الذي أتمنى من كل وأحد أن ينقله وأن نفرق بين الغث والسمين في هذه البلاد.

همسة في أذن المبتعث: يجب ألا نبهر بما عندهم فبسواعدنا وجهدنا نستطيع أن نصل إلى وصلوا إليه بل ونتخطاهم بإذن الله. 

خامساَ: نقل أساليب التدريس في جميع التخصصات

من الأشياء التي استفدت منها وأحمد الله عليها هو أنه منّ عليّ بتغيير الجامعة بعد الماجستير.  فتلك كانت فرصة عظيمة للالتقاء بأساتذة جدد. وقد وجدت أنّ لكل واحد منهم أسلوبه الخاص أثناء المحاضرة. وربما أكون مبالغا لو قلت أنني درست مادة في مرحلة الماجستير واضطررت لدراستها في مرحلة الدكتوراه تحت مسمى أخر لسبب ما إلا أن كلاً من الأستاذين كان ينتهج أسلوبا مختلف تماما ًعن الأخر. بهذا استطعت ولله الحمد أن أتعلم منهما أساليب مختلفة في إيصال هذه المادة لطلابهم. هذا لا يعني أن أي واحد منا لا يستطيع أن يبتكر أو ينتهج أسلوبا خاصا به. لكن الانتقال من جامعة لأخرى بعد الماجستير كان مفيداً جدا لي.  فعلى كل واحد منا أن يدون هذا في مذكرته الخاصة ويرجع لها متى ما أراد وأنا على يقين أن معظمنا قد عمل هذا إلا أن البعض يستعمل ذاكرته وهذا في حد ذاته لا بأس به إلا أن النقش ليس كالحفظ.  ثم أوجه نفسي وجميع زملائي في كل تخصص أن يتابعوا ما يطرح على الشبكة العنكبوتية من مواد والاطلاع على مناهجها والاستفادة منها.  فعلى سبيل المثال، مادة مثل مدخل الى علم اللغة هناك مالا يقل عن 30 منهج مطروح.  بعض منها تحتاج منك الاتصال أو إرسال رسالة إلكترونية لمدرس المادة للحصول على إذن بالدخول للموقع.  وكما عرفت من زميل في أحد التخصصات العلمية أنه حينما عاد للملكة أوكل إليه تدريس إحدى المواد وحيث أنه لم يكن مستعداً لجاء بعد الله إلى الشبكة العنكبوتية وبحث عما إذا كانت هذه المادة معروضة فوجد أن هناك أكثر من دكتور قد عرض المنهج بل المادة نفسها وكانت حديثة جدا فاستفاد منها لفترة استرداد أنفاسه. 

همسة في أذن المبتعث: لا تكن بخيلاً على جامعتك و لا أنانيا.  أعلم أنك تستحق إجازة شهر من تاريخ خطاب الانتهاء من الدراسة لكن أعط نفسك فرصة كافية للتحضير للمواد التي تنوي تدريسها وذلك بتجهيز المادة العلمية واختيار الكتب المقررة وذلك بعد الاتصال على قسمك والتفاهم معهم على المواد والمناهج التي تنوي تدريسها وهذا هو أقل ما يمكنك عمله قبل عودتك.

سادساً:  النية الصادقة والإخلاص في العمل

لا أظن أنّ ماذكرته آنفاً يخفى على زملائي المبتعثين إنما هي خواطر عابرة أحببت أن أُذكّر بها نفسي أولا ً وأخواني المبتعثين ثانيا ً ثم ليستفيد منها من هم على وشك الابتعاث ثالثا.  والمهم في هذا كله هو اخلاص النية وتجديدها دائماً وأبدا فهي مدار قبول العمل حتى وإن كان العمل يراد به طلب الرزق وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" رواه الشيخان .  فعلينا اخلاص النية دائماً وأبدا ثم لنتذكر دائما  أنه لن تزولا قدم عبد حتى يسأل عن أربع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم وذكر منها "وعن علمه فيما عمل به".  ثم لنتقي الله سبحانه وتعالى في طلابنا فهم أمانة في أعناقنا وهم ينظرون لنا على أننا مثالاً يقتدى به فلنكن ذاك المثال الذي يحمل صفات المعلم المسلم القدوة في كل سلوكه.

وهمسة في أذن المبتعث: لا تجعل من هذه الدرجة حاجزا بينك وبين الناس فما هي إلا درجة في الدنيا والله يقول (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)سورة الحجرات .

ختاماً:

كما قلت سابقاً فإن هذه خواطر مرّت بي وأنا أحزم  حقائبي للرحيل والعودة إلى أرض الوطن. أسأل الله أن يوفقني وإياكم للخير. فإن أصبت فيما قلت فمن الله وإن كنت أخطأت فمني والشيطان وصلى اله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


[1] هو الدكتور محمد العقدة

من موقع الاكاديمي السعودي

 

©موقع مركز المدينة للعلم والهندسة -    اتصل بنا لأي مشكلة أو اقتراح